الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

59

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عتابا إلهيا على نسيانهم التوكّل على اللّه في النصر ، واعتمادهم على كثرتهم ، ولذلك روي أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمّا سمع قول بعض المسلمين « لن نغلب من قلّة » ساءه ذلك ، فإنّهم لمّا هبطوا وادي حنين كان الأعداء قد كمنوا لهم في شعابه وأحنائه ، فما راع المسلمين وهم منحدرون في الوادي إلّا كتائب العدوّ وقد شدّت عليهم وقيل : إنّ المسلمين حملوا على العدوّ فانهزم العدوّ فلحقوهم يغنمون منهم ، وكانت هوازن قوما رماة فاكثبوا المسلمين بالسهام فأدبر المسلمون راجعين لا يلوي أحد على أحد ، وتفرّقوا في الوادي ، وتطاول عليهم المشركون ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثابت في الجهة اليمنى من الوادي ومعه عشرة من المهاجرين والأنصار فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العباس عمّه أن يصرخ في الناس : يا أصحاب الشجرة - أو السمرة - يعني أهل بيعة الرضوان - يا معشر المهاجرين - يا أصحاب سورة البقرة - يعني الأنصار - هلمّوا إلي ، فاجتمع إليه مائة ، وقاتلوا هوازن مع من بقي مع النبي صلى اللّه عليه وسلم واجتلد الناس ، وتراجع بقية المنهزمين واشتدّ القتال وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « الآن حمي الوطيس » فكانت الدائرة على المشركين وهزموا شرّ هزيمة وغنمت أموالهم وسبيت نساؤهم . فذلك قوله تعالى : وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وهذا التركيب تمثيل لحال المسلمين لمّا اشتدّ عليهم البأس واضطربوا ولم يهتدوا لدفع العدوّ عنهم ، بحال من يرى الأرض الواسعة ضيّقة . فالضيق غير حقيقي بقرينة قوله : بِما رَحُبَتْ استعير وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ استعارة تمثيلية تمثيلا لحال من لا يستطيع الخلاص من شدّة بسبب اختلال قوة تفكيره ، بحال من هو في مكان ضيّق من الأرض يريد أن يخرج منه فلا يستطيع تجاوزه ولا الانتقال منه . فالباء للملابسة ، و بِما مصدرية ، والتقدير : ضاقت عليكم الأرض حالة كونها ملابسة لرحبها أي سعتها : أي في حالة كونها لا ضيق فيها وهذا المعنى كقول الطرماح بن حكيم : ملأت عليه الأرض حتّى كأنّها * من الضيق في عينيه كفة حابل قال الأعلم « أي من الزعر » هو مأخوذ من قول الآخر : كأنّ فجاج الأرض وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفّة حابل